الرئيسية / دراسات / حزب الله وداعش: جيشان جوّالان

حزب الله وداعش: جيشان جوّالان

مركبة تقل مقاتلين من تنظيم الدولة الاسلامية في محافظة الرقة السورية يوم 30 يونيو حزيران 2014 - رويترز
مركبة تقل مقاتلين من تنظيم الدولة الاسلامية في محافظة الرقة السورية يوم 30 يونيو حزيران 2014 – رويترز

خاص مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط – بقلم: سمير الحسن* —

اللافت هو تطور حرب العصابات في مواجهة المدرسة الكلاسيكية في العقدين الأخيرين، وهما يلخصان ما أنجز من تطور على المستويات العسكرية كافة، إن كانت نظامية أو حرب عصابات، فالمواجهات الدامية أدت إلى تطور فعلي في المدرستين كلتيهما.
يصف الخبير الاستراتيجي في الجيش الأميركي بيل سميث حرب العصابات بنموذج عصري، حيث يستخدم الثوار التكنولوجيا الحديثة، ويقصد هنا بالتكنولوجيا الحديثة كل ما له علاقة بالأسلحة المتطورة، والتي استخدمت تكتيكات حرب العصابات بشكل لم تعد الجيوش النظامية لدى الدول قادرة على التمييز في ما إذا كانت تخوض حرباً تقليدية، أو غير تقليدية.
فقد استخدم المقاتلون الشيشان صواريخ حديثة مضادة للدروع والطائرات، إنما في إطار حرب العصابات. ويمثّل النجاح الأكبر لأسلوب حرب العصابات، ما قام به حزب الله عام 2006 ضد العداون الإسرائيلي حين اعتمد مقاتلوه تكتيكات حرب العصابات مستخدمين صواريخ مضادة للدروع والسفن بنجاح باهر، كما تمكنت صواريخه من تهديد الجبهة الخلفية للعدو. حتى أن حزب الله تمكن من اختراق أجهزة اتصال العدو والتجسس على حركته، ومنعه من اختراق صفوفه، ما أوقع الجيش الإسرائيلي بحال من الضياع الكبير ما أدى إلى هزيمته ميدانياً.
إنّ طبيعة الصراعات اليوم أخذت أشكالاً أكثر تعقيداً مما كانت عليه، فالثورات التكنولوجية والمعلوماتية أوجدت وسائل ومجالات جديدة للمواجهة لم تكن متوافرة سابقاً. لقد وفّر الانترنت والهاتف الخليوي وسيلة اتصال قوية، كما وفّرت السوق السوداء المتنامية بفعل تحسن المواصلات تأمين أسلحة متقدمة وفعالة ضد الجيوس الحديثة، بالتالي تم تعزيز أساليب القتال، ومنها المزاوجة بين النظامي والأنصاري.

كيف سيرد حزب الله على الضربة الاسرائيلية؟
كيف سيرد حزب الله على الضربة الاسرائيلية؟

حزب الله أجاد التعامل وفق الاستراتيجيتين الدفاعية والهجومية
يعتبر تنظيم القاعدة أو التنظيمات المرتبطة به بشكل مباشر أو غير مباشر من القوى التي تعتمد ما يعرف بالحرب الهجينة، إنما بأشكال أو مستويات مختلفة طبقاً لمكان وجودها ونوعية مسرح العمليات، ففي داخل الدول التي تملك حكومات وأنظمة قوية ومتماسكة يقتصر دور تنظيم القاعدة على عمليات انتحارية وهجمات محدودة ضد منشآت حكومية وعسكرية، كما هي حال “القاعدة في بلاد المغرب”. أما الدول التي لا توجد فيها سيطرة قوية للحكومات مثل العراق، فشنت “القاعدة” حرب عصابات مصحوبة بهجمات انتحارية واعتمدت وسائل كثيرة، ومنها القصف المدفعي والصاروخي والهجمات البرية.

يعتقد الباحث الأميركي توماس هوبر أن هذا النوع من الحروب يعرف بالأسلوب المركب. إذاً نحن أمام تطور نوعي، بحيث دخلنا مرحلة التحول الفعلي من الجماعات المتمردة الصغيرة إلى المواجهات الشاملة، مع توظيف التكنولوجيا من الانترنت حتى الانتحاريين.
لقد تحدث الخبير كريستوفر لانجتون عن التطور التكنولوجي المستمر لأحداث وسائل أكثر حداثة وكفاءة وقدرة على استهداف الأعداء بدقة كبرى من مسافات بعيدة بواسطة السفن والطائرات بأسلوب يتفادى المواجهات المباشرة أو شبه المباشرة على الأرض. فالجيوش وجدت نفسها غارقة في مستنقع الصراعات من نوع حرب العصابات بأساليب الكر والفر حتى في المدن، حيث تواجه هذه الجيوش عدواً لا يمكن التعرض له حتى مع استخدام الأجهزة والمعدات ذات التصميم المعقد المتقدم التي كان من المفترض بها أن تؤدي إلى تبديد ضباب الحرب، وتعلن بداية مرحلة جديدة من أساليب الحروب الحديثة.
ولكن حروب العراق وأفغانستان والشيشان تظهر إلى حد كبير محدودية الجيوش التقليدية في بيئة معقدة تتطلب وتشترط في حد ذاتها وسائل وأساليب حرب بدائية بحسب ما أكد الخبير لانجتون.
ومن الواضح، أن التطور يتمحور الآن في مدرستين، تنظيم الدولة الإسلامية – داعش وحزب الله، وهما في سباق وتطور فعلي وجدي. وكلا القوتين يعتمد الأسلوب المركب، أي الدمج بين النظامي والأنصاري(حرب العصابات).
ويشرح الدكتور حسين أبو رضا أسلوب حزب الله حيث يعتبر أن التكتيك العسكري الحديث، بأن حرب العصابات تعتمد بشكل أساس على أصول ومبادئ تكون ركيزتها مهمة في العمل العسكري منها السرعة والمرونة والاختباء والمناورة، الأمر الذي يتطلب قوات تمتلك حجماً صغيراً، وعادة ما تكون قوات العصابات قوات صغيرة تتحرك بسرعة ضمن مجموعات صغيرة وهي تتسلح بأسلحة خفيفة ومؤذية للعدو.
وأهمية تجربة حزب الله في حروبه العسكرية، وضمن تكتيكاته الخاصة المزاوجة بين القتال النظامي والذي عادة ما تقوم به القوات الخاصة للدول والجيوش، وحروب العصابات التي تعتمد على قواعد غير منظمة.
يعتبر مركز “جيفري رات” للدراسات الأميركية أنّ حزب الله هو الطرف الأقوى ميدانياً وقتالياً في سوريا حيث نجح الحزب بالرغم من أنه قاتل في بيئة معادية خلافاً لكل حروبه مع إسرائيل التي أجريت على الأراضي اللبنانية، حيث البيئة موالية، فقد اجتاح غرب العاصي 32 قرية ونجح بعزل مدينة القصير وأسقطها بوقت قياسي. ولقد ركز الحزب على الوحدات الصغيرة لتقليل الخسائر، واكتسب خبرة القيادة والسيطرة على المستويات العملياتية والتكتيكية على مستوى تطوير القتال من وحدات صغيرة إلى سرايا وكتائب.
اعتمد حزب الله على الإغارات المتتالية لاستنزاف الخصم واستفاد من قوة نيرانه، والقدرة على تنسيق العمليات، إضافة إلى الاستفادة من الأسلحة الحديثة التي حصل عليها، بخاصة الطائرات من دون طيار، كما استخدم ببراعة التكتيكات المضادة للحروب غير النظامية، أو اللامتناظرة أو اللامتكافئة، مثل القدرات الفردية كسرعة التصويب على الأهداف المختلفة، والانتقال السريع للعناصر القتالية في الميدان بشكل يربك الخصم واعتمد على الضغط على قواعد الإسناد، وكانت معركة القصير نموذجاً لحرب الشوارع، فالمباني متلاصقة ما تطلب تأمين المكان متراً ــــ متراً وتقدمت قوات حزب الله في مجموعات صغيرة من 3 – 5أفراد للمجموعة حيث تعاملت مع الشراك الخداعية والمناظل المفخخة والألغام، بالإضافة إلى مواجهة شبكة ضخمة من الأنفاق التي حرفتها مجموعات المعارضة. ثم خاض الحزب تجربته الثانية في القلمون، وكان أمام تحدٍّ على مساحة 350 كلم تمتد من يبرود حتى قلعة الحصن (27 بلدة (. معركة القلمون كانت مختلفة عن القصير، برغم ما تشكّله صعوبة المنطقة، وما تشكّله من جغرافيا معقدة وسلسلة جبال وتضاريس وكهوف.
في القصير، قاتل حزب الله بتشكيلات شبيهة بالقوات النظامية، ولكن في القلمون قدم سيناريو آخر يعتمد على مجموعات صغيرة تتقدم على النقاط الاستراتيجية من هضاب وتلال وسفوح وممرات جبالية اعتمد فيها على الهجوم الصامت من دون ضجيج وعمليات صاخبة.
وفي الغوطة استعمل أسلوب الأرض المحروقة، الأسلوب القديم ــــ الجديد. قصف تمهيدي، ثم هجوم تحت غطاء صاروخي مرعب (صواريخ بركان ــــ طوفان)، أما في كسب فقد عمد إلى عمليات كومندوس وإنزالات بحرية (وحدات الرضوان) كإنزال السمرا. وتميّزت أعمال الحزب بالدقة في تحديد الأهداف والمفاجآت وتأمين خطوط الانسحاب وساعده في ذلك جهاز استخباراتي مدرب جيداً.
وأبرز عنصر في تركيبة الهيكل العسكري لحزب الله الصلاحيات الممنوحة للضباط الصغار باتخاذه القرار المناسب بمن دون الحصول على موافقة مسبقة من قادتهم.
إن ما يميّز تجربة حزب الله عن بقية المجموعات الأنصارية أنه أتقن الأسلوبين، الدفاعي بمواجهة الجيش الإسرائيلي والهجومي بقتال المعارضة السورية خارج أرضه. وهذا نتيجة نضوج مدرسته العسكرية.
في سوريا، قاتل كل صنوف المجموعات التي خبرت حروب العصابات، بينما كان الحزب متخصصاً بأسلوب معيّن لمواجهة الجيش الإسرائيلي ضمن استراتيجية دفاعية عمل طويلاً على تطويرها. وهي خطة تعتمد الأنفاق والتبادل الصاروخي ونصب الكمائن وإنشاء دفاعات حيوية ــــ نشيطة.
وأكد الباحث الأميركي أندور أكسوم أن حزب الله يعتمد شبكة أنفاق عنكبوتية على شكل مخابئ خرسانية توفّر حماية شاملة لترسانته الصاروخية حتى يضمن إطلاق أكبر عدد منها في اليوم الواحد، وتم بناء مواقع معيّنة لإطلاق الصواريخ قصيرة المدى ومتوسطة المدى من داخل تحصيناته تحت الأرض، وصُممت بحيث تفتح نافذة تُطلق عبرها ثم تُغلق بسرعة، ويستطيع استخدامها بما تفرضه عليه سهولة التحرك والإطلاق والمرونة والانتشار.
ويشرح المؤلفان ستيفن ببدل وجيفري فريدمان الكيفية التي أدار بها حزب الله حرب تموز(يوليو 2006)، بحيث كان دفاعه مرناً جداً، واعتمد بشكل أوسع على إطلاق النار المرهق، وقام بهجمات مضادة في الغالب، ولم يستعمل الاختلاط المدني. وعمد أحياناً إلى تحريك وحدات خاصة إلى مسافات لا بأس بها من مناطق الاحتياط الخلفية لتعزيز المعركة قبل استدراجها إلى مسافات قريبة تراوحت بين 50 إلى100 متر.
ونسّق الحزب فعالية النيران المباشرة دعماً لهجماته المضادة من اتجاهات متعددة، فكانت القوات المهاجمة تتلقى بكشل مشابه ومترافق من الصواريخ والقذائف بشكل ثابت ومنسق، وهذا أدى إلى انتصار تموز – يوليو 2006.
ما بين قتاله على الجبهة اللبنانية ــــ الإسرائيلية والجبهة السورية تحول حزب الله إلى قوة إقليمية يحسب لها ألف حساب من جنوب لبنان إلى أم قيس.

مقاتلون من داعش في تل أبيض - سوريا
مقاتلون من داعش في تل أبيض – سوريا

ظاهرة “داعش”
أما “داعش”، تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، ويعتبر تنظيم الدولة الجيل الثالث لتنظيم القاعدة، هذه الظاهرة ليست وليدة الصدفة، إنما حصيلة تراكم خبرات ومواجهات. مرّ التنظيم في مراحل وأطوار متعددة، وأخذ أشكالاً مختلفة وعمل في ساحات عدة، وتعرض لنكسات وإخفاقات، وإبادة. من الفكرة الأولى الحاكمية، انطلق العمل وصولاً إلى فتاوى الخروج. شكلت أفغانستان ساحة مفتوحة للتجميع، وتحولت الأفكار المحاصرة بالسجن والنفي والإعدام إلى تنظيم عسكري ــــ سياسي.
استقطبت الحرب الأفغانية المقاتلين من بقاع الأرض، وفتحت الباب للسلفية الجهادية للتحول من مجموعات صغيرة في بلداتها إلى قوة عسكرية عبارة للحدود، وهذا التشكيل أخذ بالتوسع نحو البوسنة ــــ الهرسك ــــ الشيشان، وجاء الاحتلال الأميركي للعراق فرصة ممهدة للانتقال والقتال في بلداتهم. لم يجد أبو مصعب الزرقاوي صعوبة في استقطاب الشباب المحبط في دول مهزومة، بل تلك الهزيمة أعطت دافعاً للانخراط في صفوف الجهادية وحماسة لتطوير تشكيلاته العسكرية، فكانت أولى إرهاصاته مجلس شوى المجاهدين، وخاض حرباً ضروساً ضد القوات الأميركية.
وكانت الفلوجة نموذجاً في البطولة، وما عزّز هذه الحالة الجهادية قرار الحاكم الأميركي بول بريمر اجتثاث حزب البعث ما دفع بكوادر المؤسسة العسكرية العراقية في النظام السابق إلى الالتحاق بالمجاهدين كعملية تجميع وإعادة بناء المؤسسة وبعقلية أكثر شراسة وحقداً. هذا التجميع أفضى إلى كتلة مقاتلة مميّزة، وأضحت أرض العراق ملجأ للمجاهدين.
تبدلت الأسماء وتغيّرت العناوين، والمحاولات الصغيرة أصبحت كبيرة. وإرهاصات الزرقاوي ــــ أبو عمر البغدادي أنتجت خلافة إبراهيم البدري الذي وجد في الربيع العربي فرصة متاحة لوراثة أنظمة تتهاوى فدخل الصراع من بابه الواسع في ظرف سياسي مناسب.
فالتنظيم تشكيل نموذجي في التركيب والهيكل وآليات العمل والتنفيذ، لا يخضع لنمط معيّن. تشكيلاته خاصة بطبيعة الأرض والمعركة، عمود الجسم العسكري عبارة عن مجموعات صغيرة متصلة بشريط رفيع كعناقيد العنب، وهي وحدات صغيرة تمتلك مرونة الحركة والتنقل، والمقدرة على التخفي والتمويه. يتمتع كل أمير بصلاحيات التنفيذ وفق مقضيات اللحظة المستجدة وتقدير الموقف.
استفاد تنظيم “داعش” من تجارب عدة، خصوصاً الأساليب الهجومية مستفيداً من خبرة مقاتلي القوقاز والأفغان الذين يتمتعون بخبرة كبيرة، وما فعلوه في غروزني يعتبر تحولاً كبيراً في حرب المدن، وهي أصعب الحروب الحديثة كونها تجرى في المناطق المأهولة بالسكان، ولا يتمكن من إجادتها إلا بعد خبرة طويلة، حيث كانوا يستدرجون الجيش الروسي إلى داخل غروزني إلى مسرح الحرب الذي يفضلونه، حيث لا يكون خط جبهة مستقيم، أو مستقر، أي إلى وسط المدينة ويتم الانقضاض على الدبابات. كانت التشكيلات عبارة عن مجموعات تضم ثمانية مقاتلين، اثنان برشاشات ثقيلة، واثنان بمضادات للدروع، وواحد قناص وثلاثة برشاشات خفيفة، يشتغلون كممرض ومتحدث باللاسلكي وحامل للذخيرة، تجتمع ثلاث وحدات لتكون كتيبة من 75 فرداً حين يكون الهجوم كبيراً.
تدريب المقاتلين كان في ظروف قاسية وأوضاع مختلفة وفي مناطق جبلية تنعدم فيها الشروط الطبيعية، ما أكسبها صلابة وخبرة مع مناخات مختلفة تمتلك خبرة كبيرة في استخدام كل أنواع الأسلحة وتصنيع العبوات والقذائف الصاروخية، وبناء الأنفاق، وكيفية استهلاك كميات قليلة في مواجهات كبيرة، فالتقنين في استخدام الذخيرة يحتاج إلى مهارات وخبرات وفنون قتالية للقيام باستنزاف الجيوش النظامية.
ومن هذه الفنون، الاختبار والتمويه والاختبارات النارية والهجمات الوهمية ودقة التصويب وسرعة الحركة. ومن أهم نجاحات العمليات العسكرية القيام بهجمات وهمية عدة قبل أن تختار الهدف الرئيس، وذلك بعد عشرات المرات من الاستطلاع من دون كلل أو ملل.

داعش في العراق
داعش في العراق

أبرز أساليب “داعش”
يعتمد مقاتلو “داعش” أسلوب رأس السهم في المناطق الشاسعة ــــ المفتوحة للاحتفاظ بقوة إسناد من الخلف (القوة الأساسية). وعندما تنجح في اختراق نقطة في محور ما، تدفع بالقوة الأساسية نحوها: مثال الفرقة17 في الرقة، حيث جرى الهجوم من محاور عدة بمجموعات ثانوية وصغيرة، وعندما تم فتح ثغرة تم دفع القوة باتجاه مقر الفرقة. وقد يعتمدون أسلوب الأمواج البشرية مثل الهجوم على مطار منغ وأيضاً كويروس، أو أسلوب المروحة مثال مطار الطبقة العسكري، هجمات من الجوانب كافة بالوتيرة نفسها لإضعاف مكان ما.
عموماً أسلوب “داعش” أقرب إلى الغزوات التي تنطلق من الحركة من دون قواعد ارتكاز، وهذا يتطلب السير مسافات طويلة، مثل الهجوم على جبل الشاعر في حمص، وهذا الأسلوب اعتمد في أفغانستان، السير عبر الجبال والأودية عبر المناطق النائية من دون إثارة الشبهات، وهذا يتطلب مستوى عالياً من الإرادة والصبر، كما جرى في بلدة مهين، حيث تم قطع مسافة كبيرة مع كل العتاد المتوسط والثقيل والدخول مباشرة في المعركة.
أما في خطط الدفاع، فلا يعتمدون خط دفاع عمقاً، بل يجعلون الخطوط نشيطة ليصعب تحديد خط الدفاع الأول (مثال عين العرب – كوباني)، تشكيلات على شكل قوسين، واحد لاشغال طيران التحالف، وواحد للاشتباك مع الأكراد.
لا يقاتل تنظيم “داعش” عبر حرب العصابات بالمعنى التقليدي، إنما كجيوش صغيرة، عابرة ــــ متحركة، للتمكن من الإمساك بالجغرافيا والديمغرافيا وهذا يتطلب حشداً كبيراً.
ويشرح أحد منظري “الدولة الإسلامية” – داعش، عبدالله بن محمد، الكيفية التي يدير بها التنظيم: إشعال الجبهات أو إشغال العدو في جبهتين في منطقتين كذراعين، تغطي كل واحدة منهما الأخرى، وتمنع من تركيز أي مجهود عسكري يستهدف جبهة لوحدها. ويؤكد ذلك أبو مصعب السوري بقوله: قد نبدأ من مجموعات جبهات تستنزف العدو وتنهكه، وعندها نقوم باختيار الجبهة المناسبة، وتناور القوات بالاحتياطي، وكان نابليون قد طبق هذا الأسلوب.
لا شك في أن العقيدة ساهمت بتصليب بنية المقاتلين الذين نجحوا في تطوير أساليب حرب العصابات في الريف والمدن، وتفوقوا في مجالات عدة، أبرزها استثمار المعلومات والمناورة والاستدراج واستخدام الحركة والنار بكفاءة عالية. وتتلخص مدرستهم العسكرية على الشكل التالي:

1 ــــ المرونة العالية التي تتمتع بها المجموعات الجهادية في القتال، ويقصد بها الانتشار والمواجهة، وتغيّر في الخطط بحسب الحاجة، وبحسب تطورات القتال في الميدان.

2 ــــ تجنب الصدام المباشر مع الجيش النظامي لحرمانه من استخدام قوته النارية، واختيار الأماكن والأوقات ومهاجمته في أسوأ حالاته.

3 ــــ اعتماد مفهوم ساحة الحرب المفتوحة من دون الاعتماد على خطوط ثابتة كالخنادق والتحصينات الضخمة ومراكز التحشيد الخلفية.

4ـــ استثمار النجاح الحاصل في عمليات الإغارة والضربات واستغلال نقاط الضعف.

5 ـــ استثمار القليل من الأفراد ومعدات غير مكلفة نسبياً، يمكن أن يعرقل ويوقف قوات تقليدية أكبر عدداً وأكثر تسليحاً وتطوراً.

6ـــ الاعتماد على القدرات الذاتية المحلية.

7 ـــ العمل بمبدأ الانتشار الواسع المبكر للمجموعات كأسلوب الدفاع السلبي، ومقاومة الاستطلاع وتجنب الضربات الجوية المركزة، مع القدرة على اتخاذ التشكيل المناسب مع الخصم عند وصوله إلى مناطق تلك المجموعات.

8 ـــ اعتماد مفهوم النوعية بالنسبة إلى السلاح الثقيل بدلاً من الكمية، وعدم إقحامه في تشكيلات كبرى التي تكون ثقيلة الحركة كي لا تصبح عبئاً عند المواجهات الحاسمة، والاستعاضة عنه بوحدات مضادة للدروع لصد المدرعات.

9 ـــ التوسع في استخدام المنظومات، بخاصة الصاروخية والتي لها مميّزات عدة هي: الدقة وكثافة النيران.

نحن أمام قوتين متميزتين، حزب الله وتنظيم الدولة الإسلامية، كلاهما قدم إضافات كبيرة في تطوير حرب العصابات، ولكن حزب الله أجاد التعامل وفق الاستراتيجيتين الدفاعية والهجومية، بينما لا يزال تنظيم “داعش” مكتفياً بالهجوم، على شكل غزوات مفتوحة، والتنقل من جغرافيا إلى أخرى، وتجنب الجبهة الصدامية، ولكن التنظيمين تفوقا من دون شك على أهم الجيوش النظامية، ويعتبران أسياد حرب العصابات في العالم.

* كاتب وخبير عسكري لبناني

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

نسخ الكتب لدى بني منقذ أمراء شيزر(474-552هـ/1081-1157م)

بقلم: د. حجازي عبد المنعم سليمان – جامعة المنوفية – مصر — على الرغم من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *