الرئيسية / مقالات / العراق والمواجهة المفتوحة مع المرجعية الدينية

العراق والمواجهة المفتوحة مع المرجعية الدينية

 

 

بقلم: علي الموسوي

 

 

العراق ما بعد فتوى المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني ليس كما قبل الحرب المعلنة على محور المقاومة الذي يتزعمه المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران السيد علي الخامنئي. كانت الذريعة في خوضها من قبل الدول الخليجية وعلى رأسها السعودية، بأن الأطماع الفارسية المتعددة في الهيمنة على المنطقة العربية والخليج تهدد الكيان والأمن القومي العربي بشكل عام والخليجي بشكل خاص، بحجة أن إيران تنطلق من قومية معادية للعرب وتهدف الى نشر التشيّع في الدول العربية التي تعتنق أغلبية مواطنيها مذاهب أهل السنّة والجماعة .

حاولت دول الخليج بكل جهدها ومالها أن توظف بروباغندا إعلامية تبثّ في عقول المجتمعات العربية والتي تضّم المذهبّين الشيعي والسنّي على أن الثورة الإسلامية في إيران هم من الشيعة الصفويين الذين يخالفون ليس السنّة فقط بل الشيعة العرب أيضاً على قاعدة أن عقيدتهم الشيعية القائمة على ولاية الفقيه هي تخالف كلياً المبدأ العقائدي لمرجعية الشيعة في النجف الأشرف في العراق التي تقول بأن لا ولاية لأحد في غيبة الإمام محمد بن الحسن المكنّى بالمهدي (ع) وأن الإمام روح الله الموسوي الخميني اجتهد ولاية الفقيه لكي يخطف المرجعية الشيعية من مدينة النجف العراقية الى مدينة قم الإيرانية، وكان لذلك أثر ودور في تضليل جنود الجيش العراقي ومعظمهم من الشيعة في عهد الرئيس صدام حسين إبان شنّه الحرب على الثورة الإيرانية عند إنتصارها والتي عرفت بحرب الثمانية سنوات .

المرجعية الدينية في النجف الأشرف خلال كل السنوات التي تلت تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية نأت بنفسها عن تولّي الشأن السياسي على الصعيدين الإقليمي والدولي ولم تتصدَ لقيادة الشيعة في المنطقة العربية وبالأخص في مسألة الصراع العربي – الإسرائيلي كما فعلت القيادة الدينية في إيران خلال تولّي الإمام الخميني ومن ثم الإمام الخامنئي وبالأخص في دعم ولادة المقاومة الإسلامية في لبنان، الجناح العسكري لحزب الله في كل مراحل قتاله ضد إسرائيل لتحرير الجنوب والبقاع الغربي، حيث كانت ولا تزال المرجعية الدينية الشرعية لحزب الله هي ولاية الفقيه المتمثلة بمرشد الجمهورية الإسلامية في إيران.

لكن المرجعية الدينية في النجف كانت دائماً تبارك وتؤيد سرّاً قتال حزب الله ضد إسرائيل خلال حكم صدام حسين وأصبح تأييده علناً بعد سقوط حكم حزب البعث في العراق إبان الاحتلال الأميركي في عام 2003 وتوحد الدعم الشرعي بين المرجعيتين في كل من قم الإيرانية والنجف العراقية في تقوية محور المقاومة ضد إسرائيل وتأمين خطوط إمدادها من طهران مروراً ببغداد ووصولاً الى دمشق في سوريا .

إستشعرت الولايات المتحدة الأميركية ودول الخليج وتحديداً السعودية أن هذا المحور سيشكل تهديداً مباشراً للمصالح الغربية اقتصادياً وسياسياً وسيفرض نفسه كقوة إقليمية مؤلفة من إيران والعراق وسوريا على الشرق الأوسط لها مصالحها وسلطتها السياسية والاقتصادية، حيث يشكل تحالف إيران والعراق تحالفاً بين أكبر بلدين يملكان أكبر احتياطي نفطي في العالم وينتجان أكبر كمية من الطاقة لتصديرها، بحيث يفرضان شروطهما على السوق النفطي العالمي وتتراجع السعودية في هيمنتها النفطية المحددة للأسعار وفقاً للمصالح الأميركية .

شنّ التحالف الأميركي – الأوروبي – التركي – الخليجي حربه على العراق أولاً ثم على سوريا لاحقاً لأنها تعتبر حلقة الربط في محور المقاومة وأرسلوا الجماعات التكفيرية التي تكفّر المسلمين المخالفين لعقائدهم الوهابية من أهل السنّة ومن الشيعة باعتبارهم روافض فيحلّون قتلهم وسبي نسائهم وسرق أرزاقهم.

كانت الهزيمة الكبرى لهذا التحالف على المستوى العسكري في سوريا وانتصر محور المقاومة سياسياً بإعادة انتخاب رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، ثم نجاح الرئيس بشار الأسد بإعادة إنتخابه من الشعب السوري. هنا أعلنت السعودية وتركيا المواجهة المفتوحة على هذا المحور في ظل رضى أميركي غير معلن، وأرسلت السعودية “داعش” عبر الحدود التركية الى سامراء ثم الموصل في العراق، بهدف قلب المعادلة السياسية الجديدة التي عززت محور المقاومة وقطعاً لطريقه الذي تشكّل من طهران الى بغداد فدمشق وصولاً إلى لبنان.

تركيا أغرت إقليم كردستان العراقي بأن يستولي على منطقة كركوك ذات الموارد النفطية وحلمه أن يجعلها عاصمة الإقليم خلال العملية العسكرية لداعش شريطة أن لا يساعد الحكومة العراقية في المواجهة. أما السعودية فقد تجاوزت الخطوط الحمراء التي كانت تمنعها من أن تحاول إسقاط الحكم العراقي بعد سقوط صدام حسين .

هنا حصل التحول الاستراتيجي في موقف المرجعية الدينية في النجف الأشرف بإعلان السيد علي السيستاني فتوى الجهاد الكفائي ضد الجماعات التكفيرية عندما استشعرت أن هجوم الداعشيين على سامراء واحتلالهم الموصل والتوسع نحو محافظة صلاح الدين وصولاً الى مشارف بغداد هدفه إسقاط الدولة الرسمية للعراق ومن ثم سيؤدي هذا الى وصول داعش الى كربلاء والنجف حيث المقدسات الإسلامية .

المرجعية الدينية في العراق أعلنت من خلال هذه الفتوى أنها تولت لأول مرة بعد ثورة العشرين من القرن الماضي الإشراف الشرعي على الشأن السياسي وتكون بذلك قد تكاملت مع المرجعية الدينية في إيران .

المواجهة التي تحصل في العراق اليوم هي مع المرجعية الدينية الواحدة للمذهب الشيعي في العالم، والسعودية وتركيا تعرفان تماماً أن اللعب بنار المذهبية ستكونان أول من سيحترق بها، حيث محافظتا الإحساء والقطيف، المنطقتان التي يتواجد فيهما النفط في السعودية، أغلبية سكانها من الشيعة، بينما يشكّل العلويون والشيعة أكثر من 20 في المئة من سكان تركيا.

إذاً يشهد العراق اليوم المعركة الفاصلة في رسم شرق أوسط جديد بريشة محور المقاومة وليس بريشة آل سعود وأردوغان. فكما أجهض محور المقاومة ولادة شرق أوسط جديد بريشة المحافظين الجدد في إدارة جورج بوش وغونداليزا رايس، سنشهد ولادة قوة مقاومة بمرجعية دينية واحدة في النجف الأشرف وقم المقدسة.

 

المقالات المنشورة تعبّر عن رأي الكاتب ولا تعبّر عن رأي المركز.

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

صاروخ ايران.. ترامب ..قوة الحق/ بسام ابوشريف

بسام ابو شريف يتحدثون عن الجيل الخامس ، وسرعة الاتصال والوصول في هذا الجيل هي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *