الرئيسية / مقالات / قطر والسعودية: مشقة الجوار!

قطر والسعودية: مشقة الجوار!

بقلم: الدكتور عقيل سعيد محفوض*

في رواية “الأخوة الأعداء” للكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكي التي تتناول أحداث فتنة داخلية في قرية “كاستللوس” خلال الحرب الأهلية اليونانية في أواخر الأربعينات من القرن التاسع عشر، يقول أحد أبطال الرواية، “يوجعني قتلك يا أخي، لكن اعذرني أحدنا يجب ان يموت .. وأُفَضِّل ان يكون انت”.
المسألة بين قطر والسعودية تشبه في جانب منها الحربالتي في رواية كازانتزاكي، ليست حرباً تقليدية، وإنما حرب من نوع مختلف، انها مواجهة مديدة وعميقة، بين طرفين “شقيقين” لم يصلا بعد إلى قناعة مماثلة لأبطال الراوية المذكورة، “نحن نصارع من أجل شيء لا يمكن بلوغه”، كم يتمنى أحدهما أن يكون “الضحية” أو “الخاسر” هو الآخر.
ليس من السهل ان يقتنع “آل سعود” بأن قطر دولة لها كيان وهوية ووجود، لأنهم يعتبرونها جزءاطبيعياً من المملكة أو “امتداد” جغرافي وبشري جرى قطعه وتصييره كياناً منفصلاً بمساعدة بريطانيا، ويجب – من منظورهم هذا – تصحيح الأمور، عندما تحين الفرصة، بإعادته إلى جغرافيته الطبيعية والبشرية والتاريخية … هذا لا يعني عدم الاعتراف به (قطر)، وإنما بقائه تحت مظلة المملكة.
مقابل ذلك يستبطن “آل ثاني” المدارك نفسها ولكن بشكل معكوس، اذ ان السعودية هي اسم طارئ على الجزيرة العربية أو نجد والحجاز، وقد خلع “آل سعود” اسمهم على منطقة متعددة القبائل والعشائر، وكانت قبل ذلك قبائل وإمارات وكيانات تم “توحيدها” بقوة السيف،خلافاً لطبيعتها وتاريخها، وبمساعدة من بريطانيا ولاحقاً الولايات المتحدة.وكون الرياض عاصمة “مملكة كبيرة”جغرافياً لا يعني انها هي المركز، والدوحة وباقي عواصم ومدن الخليج أطراف وهوامش.
كما ترى قطر أن السعودية هي “عمق استرتيجي” لها، وأن الوهابية التي تعتمد عليها الرياض جاءت من قبيلة “تميم”، التي تنتمي إليها الأسرة الحاكمة في قطر، حتى أن رئيس الوزراء القطري السابق “حمد بن جاسم” قال في تسجيلات صوتية منسوبة له ان محمد بن عبد الوهاب مؤسس الدعوة الوهابية هو الجد السادس عشر لـ “بن جاسم”.
وكان الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير قطر السابق قال في افتتاح مسجد كبير يتسع لثلاثين ألف مصلّ ان مؤسس غمارة قطر الشيخ جاسم كان عالماً دينياً وحاكماً في الوقت نفسه، وكان “ممن تلقفوا دعوة الشيخ ابن عبدالوهاب وتبنوها ونشروها في بلادنا وخارجها في أنحاء العالم الإسلامي”، وحمل “على عاتقه مسؤولية نشر كتب الدعوة الوهابية وغيرها من الكتب وطباعتها في الهند من أجل التفقيه بدين الله”.هذا يعني ان قطر أو “آل ثاني” أولى بالوهابية من السعودية.
وإذا كانت قطر صغيرة المساحة وقليلة السكان، إلا أنها “أقوى” وأكثر “مقبولية” في العالم، وأن الرائز الأساس لنشأة السعودية واستمرارها هو بريطاني أمريكي، ولولا ذلك لما كان ثمة سعودية.
ان القرارات السياسية والأفكار ومواقف الأزمة، أي أزمة، هي نتيجة “مفاهيم مسبقة تم استبطانها”، ومن الممكن لصانع القرار ان يوضع في أجواء أو شروط تجعله يقبل وقائع وأفكار معينة وكأنها “لا تحتاج إلى برهان” وذلك لمجرد تناغمها مع شيفرة للاعتقاد مكرسة وجماعية ومدروسة، كما يقول بيير بورديو.
هذا الاستبطان المتبادل بين الطرفين، وثاب ومتحفز، يجعل للسياسات حدوداً لاتلبث ان ترتد إلى قاعدة أو مبدأ هو نفسه ما يستبطنه صانعو السياسة فيهما، ومهما تطورت الأمورفإنها لاتغادر قناعات ومدارك المربع الأول؛ وأي سياسة أخرى هي بمثابة “تكتيك” يخدم القناعة الأولى، وهذا يفسر عودة كل طرف إلى ما كان يُظن انه تجاوزه أو تجاوز الزمن أو سقط بالتقادم؛إنها المواجهة الهجينة بين “الأخوة الأعداء” التي توشك أن تصبح عملاً عسكرياً تقليدياً بينهما.
لا تقادم مع استبطان من هذا النوع، مع عُقَدٍ مُؤسِّسَة، ومُستمرة، ولا خلاص للبلدين من منطق أو صراع الأصل – الفرع، الاستقلال – الانفصال، الكينونة – التبعية الخ وعندما تتأسس المدارك على ذهنية تأثرية، يعتد بها أصحابها، ويعدوها جزء من هويتهم وعراقتهم وأصالتهم، الخ، فإن التغيير أو الزحزحة يصبح أبعد منالاً، ويصبح “النكوص” هو الاحتمال أو المآل الأكثر ترجيحاً.
منذ بداية القرن العشرين طالبت السعودية بضم قطر لها باعتبارها جزءاً من إقليم “الأحساء”،ولكنها اعترفت بها بعد سنتين بسبب الضغوط البريطانية، وإلا ان المشكلة لم تنتهي هنا، وخاصة مع ظهور النفط في (شبه) الجزيرة، حيث وقفت بريطانيا مجدداً إلى جانب قطر. وفي العام 1965 وقعت قطر والسعودية اتفاقاً يقضي بترسيم الحدود بينهما.
تطورت هذه العلاقة بيم مدّ وجذر إلى ان تفاقمت في أيلول/سبتمبر عام 1992 عندما أعلنت قطر أن قوة سعودية هاجمت موقع “الخفوس” المتنازع عليه بين البلدين، ونفت السعودية صحة ذلك، واتهمت قطر بالاستيلاء على 14 كم من الأراضي السعودية أثناء أزمة الخليج 1990-1991.
تقع “الخفوس” بالقرب من “خور العديد”جنوب قطر، كانتتتبع دولة الإمارات التي تنازلت عنه للسعودية عام 1974، وترجع أهمية الخفوس بالنسبة لقطر لكونه يربطها بدولة الإمارات، وإن سيطرة السعودية على الموقع، تجعل من الأخيرة الممر البري الوحيد لقطر.
وقد حاولت السعودية استمالة بعض رجال قبيلة “آل مرة” المتواجدين في قطر، واستخدامهم في محاولة الانقلاب التي جرت عام 1995 ضد الأمير حمد والد الأمير الحالي تميم بالتعاون مع الأمير الجد خليفة آل ثاني. وما كان من قطر إلا أن أسقطت جنسية وهَجَّرَت المئات من رجال القبيلة إلى السعودية.
مثّلَإطلاق قناة “الجزيرة” من الدوحة عام 1995 نقطة تحول في سياسة قطر، لم “تجاريه” السعودية حتى عام 2003 عندما أطلقت قناة “العربية”، ومالبثت القناتان أن أصبحتا “رأس حربة” للمواجهة الإعلامية والسياسية والرمزية بين الطرفين.
في 25 يونيو العام 2002 بثت قناة “الجزيرة” برنامجاً تعرض لمؤسس المملكة الملك عبد العزيز آل سعود وأدىّ ذلك لسحب السعودية سفيرها من الدوحة دون إعلان. وقد قام أمير قطر أنذاك الشيخ حمد بن خليفة بزيارة للرياض من أجل “لملمة” الموضوع، رغبة منه في عدم مقاطعة الملك عبد الله للقمة الخليجية الـ (23) التي استضافتها الدوحة كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه.
قبل أشهر قليلة كان مجلس التعاون يناقش “وحدة خليحية”، و”عملة خليحية”، الخ ولكن الأمور “تتوقف” في كل مرة عند حدود أو قضايا “الأمن”، لا شيء يتفوق على هواجس وترتيبات الأمن في المنطقة.
مع ذهنية كهذه، يكون الإدراك أو الهاجس هو الأصل وليس التاريخ أو الجغرافيا، فيما تتعزز المواجهة بامتلاك أحد الأطراف أو كليهما أي قدر من القوة، وخاصة المال والإعلام والإيديولوجيا (العقيدة الوهابية) والقابلية الإقليمية والدولية، وخاصة موقف الدول الكبرى، وبالأخص إذا كان الطرفان يخضعان لتأثير القوى نفسها.
وقد برزت في الفترة الأخيرة مؤشرات على المدى الذي يمكن ان تذهب إليه العلاقات، أولها تصريحات بندر بن سلطان رئيس الاستخبارات السعودية السابق، وحمد من جاسم رئيس الوزراء ووزير الخارجبة القطري السابق، وكانت تصريحات لشخصيتين رسميتين.
سخر بندر في حوار مع صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، من قطر قائلاً: ان “قطر لا تشكل إلا 300 شخص وقناة تلفزيونية، وهذا لا يشكل بلداً”، ورد عليه وزير الخارحية القطري خالد العطية في تغريدة عبر تويتر قائلاً، “مواطن قطري يعادل شعب، وشعب قطر عن أمة بأكملها”. هنا الاتهام بالصغر، يقابلة اتهام بالهشاشة والترهل والعجز، وغمز من ان فكرة “الضخامة”من جهة وتضخم الذات والأنوية من جهة أخرى لها دلالات فرويدية أيضاً.
لا يمكن فهم طبيعة التوتر الراهن في علاقات البلدين بمعزل عن تاريخية تلك العلاقات، التي “يسكت” الطرفان عنها، أولايذكرانها بوصفها أهم محدد لما يجري، وما تقوله السعودية عن أن دعم قطر للإخوان المسلمين هو تهديد لمصالحها، لا ينفي ان السعودية نفسها تدعم الإخوان، كما لا ينفي توافقهما في أمور إقليمية عديدة، وأهمها دعم المعارضة والجماعات الجهادية في سورية والعراق. ولكن الخلاف هو على “الإمساك” بورقة الإخوان في السياسة الإقليمية والدولية، وإذ يمكن لقطر أن تستخدمها ضد السعودية، داخل السعودية نفسها، حيث للإخوان تأييد وتأثير متزايد، إلا أن السعودية لا تستطيع استخدامها ضد قطر، داخل قطر نفسها، إذ تبدو قطر في مثل هذه الأمور كما لو أنها دولة ” لا داخل لها”.
ويعزز هذه الرؤى التسريبات الخاصة المنسوبة لـ حمد بن جاسم رئيس الوزراء ووزير الخارجية (السابق)، قال فيها ان قطر ستعمل على إسقاط النظام السعودي وستدخل إلى المنطقة الشرقية وتقسم السعودية، لأن النظام هناك يعانى من الشيخوخة، وتحدث “بن جاسم” عن “تفهم” أمريكي وبريطاني للخطة القطرية.
في الخامس من آذار/مارس 2014 قالت السعودية والإمارات والبحرين ان قطر تهدد أمنها الوطني، وأن على الدوحة ان تغير سياستها قبل أن تعود تلك الدول عن قرارها بسحب السفراء. ورد وزير الخارجية القطري خالد العطية على ذلك، بالتأكيد على أن “دولة قطر تنتهج سياسة خارجية مستقلة، خالية من أي تأثير خارجي، وهي لا تتبع عقلية المحاور، السائدة في منطقة الشرق الأوسط”.
وقد أظهرت قطر ليونة ومرونة، إلا أن ذلك أقرب للانحناء أمام العاصفة منه لتغير في الموقف، والواقع حقيقة الأمور تتصل بهواجس أكثر عمقاً، وأبعد تأثيراً، واستبطان لأمور سابقة على ذلك، تجعل البلدين عند “نقطة توتر” حادةمع أي خضّة سياسية أو إعلامية، أو في مستوى علاقات وتفاعلات سلبية حرجة، ولكنها لا تكسر أولوياتهما فيما ترياه مصادر تهديد كبرى. وهكذا فإن علاقتهما تنوس بين توتر لا يصل إلى مستوى المواجهة، وتقارب لا يصل إلى مستوى التحالف، ومن المرجح أن تبقى تلك العلاقات متوترة وقلقة، لا إمساك بمعروف ولا تسريح بإحسان.

*الدكتور عقيل سعيد محفوض كاتب واكاديمي سوري، متخصص في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، تتركز دراساته واهتماماته العلمية حول الشرق الأوسط، المنطقة العربية وتركيا وإيران والأكراد. درَّس في كلية العلوم السياسية، بـ”جامعة دمشق” 2004 – 2005. مدير التعاون الدولي، وزارة التعليم العالي، 2007 – 2009. باحث – عضو الهيئة العلمية في المركز السوري لبحوث الرأي العام (2013 – ). مدير العلاقات الثقافية وزارة التعليم العالي (2013 – ). صدر له كتب عدة منها: جدليات المجتمع والدولة في تركيا: المؤسسة العسكرية والسياسة العامة، (أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2008). سوريا وتركيا: الواقع الراهن واحتمالات المستقبل، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009). السياسة الخارجية التركية: الاستمرارية – التغيير، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012). تركيا والأكراد: كيف تتعامل تركيا مع المسألة الكردية؟ (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012). دراسات وأبحاث: العلاقات السورية – التركية: التحولات والرهانات، (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2011). سورية وتركيا: “نقطة تحول” أم “رهان تاريخي”؟ (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012). الحدث السوري: مقاربة “تفكيكية”، (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012).

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

(صفقة القرن) كتـب/عبدالرحمـن الحسين الضميـن -صنعاء

كتـب/عبدالرحمـن الحسين الضميـن/ صنعاء شهدالقرن العشرون مؤامرت غربية إستكبارية إستعمارية للسيطرة على منطقتنا العربية والإسلامية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *