الرئيسية / مقالات / اختلافات الصحابة … هل تسعنا الحياة كما وسعتهم؟

اختلافات الصحابة … هل تسعنا الحياة كما وسعتهم؟

بقلم: صلاح حسن رشيد – صحيفة الحياة — سؤال يدور في الذهن، تُرى ماذا كانت حالة الإسلام، لو انتصر فريق المتمسكين بظاهر النصوص الشرعية، الذين وقفوا في وجه الرأي، والاجتهاد، والحياة، حفاظاً على سلامة الدين، ونقائه، كما يدّعون، كما كان في عصر النبوة والراشدين، على فريق أهل الرأي والعقل، والقياس؟!
لا ريب، أن إجابة هذا السؤال كشفها بجلاء واقعنا التعيس المأزوم الذي نحياه، بسيطرة فريق النصيين الحرفيين على حساب الاستنباطيين العقليين، ففي كل رقعة عربية، وإسلامية علت أصوات تتاجر بفتاوى الصحابة، والتابعين، فمن خالفها، خلع ربطة الإسلام من عنقه، ومن طبقها كان من الفائزين الناجين، وهنا الإشكالية العويصة التي تحاصر الإسلام، وتخنقه من خلال أبنائه غير الفاهمين، ولا المتخصصين. فلو قرأ هؤلاء الناس بإمعان، لعرفوا أن القرون الثلاثة الذهبية للسلف الصالح، كانت على درجة عالية من المرونة، وسعة الأفق، والأخذ بالمستجدات، ومواكبة الظروف، والاستجابة لما تمليه عليهم ضرورات الواقع المُعاش! فلم يكونوا جامدين، كما يظنهم أحفادهم في القرنين: العشرين، والواحد والعشرين! ولم يصادموا اختلاف الواقع الجديد عما كان عليه واقعهم من قبل.
والعجيب، أن فريق الحرفيين تسلح بروايات صحيحة عن الصحابة والتابعين تحرّم الاشتغال بعلم الكلام، والرأي، والاجتهاد، متجاهلين روايات كثيرة وردت أيضاً عن جملة الصحابة والتابعين، تجب ما قبلها، تفتي بضرورة إعمال الرأي، والفكر، واستنباط اجتهادات جديدة للمشكلات التي صادفتهم بعد ذلك، عندما اتسعت رقعة الإسلام، وتغيرت الحياة اجتماعياً، واقتصادياً.
فلماذا تعايش الحرفيون بالروايات الأولى، وتركوا الروايات الأخيرة، التي تدل على رحابة الإسلام، ومرونته؟!
المرحلتان: الأولى والأخيرة
قال عبد الله بن مسعود: «إياكم وأرأيت أرأيت، فإنما هلك من كان قبلكم بأرأيت أرأيت، ولا تقيسوا شيئاً، فتزل قدم بعد ثبوتها، وإذا سُئل أحدكم عما لا يعلم، فليقل: لا أعلم، فإنه ثلث العلم».
لكنه قال بعد اتساع العمران، والفتوحات خلاف ما سبق، عندما كثرت من حوله الأسئلة عن المستجدات: «إنه قد أتى زمن ولسنا نقضي، ولسنا هناك. ثم إن الله بلغنا ما ترون، فمن عرض عليه قضاء بعد اليوم، فليقض بما في كتاب الله، فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله، ولا قضى به نبيه صلى الله عليه وسلم، فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله، فليجتهد رأيه، ولا يقل: إني أرى، وإني أخاف، فإن الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبين ذلك أمور مشتبهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (إعلام الموقعين لابن القيم).
وقال الحسن البصري شيخ التابعين عن لجوئه إلى الرأي في الفتوى، وأمور المعاش، والاجتهاد، بعد أن كان يحرم ذلك: «ولم يكن أحد من السلف يذكر ذلك، ولا يجادل فيه، لأنهم كانوا على أمر واحد. وإنما أحدثنا الكلام فيه، لما أحدث الناس من النكرة له، فلما أحدث المحدثون في دينهم ما أحدثوه، أحدث الله للمتمسكين بكتابه ما يبطلون به المحدثات، ويحذرون به من المهلكات»! (السلفية مرحلة زمنية مباركة للشيخ البوطي).
ففي نطاق الحياة العمرانية، والعادات الاجتماعية، والأنشطة الاقتصادية الجديدة، ظهرت أنماطٌ كثيرة جداً، لم يكن لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل أي عهد بها، وفق كلام البوطي.
ويشرح البوطي، بل يستعرض حالات ما قبل، وما بعد، تلك التي حتمت على الصحابة والتابعين في المدينة، وغيرها من المدن ضرورة التجديد فقهاً وعقيدةً، نتيجة لما طرأ عليهم من طوارئ الحياة، ولوازمها، فقال: «أخذ المسلمون يشيدون الأبنية باللبن، والحجارة، والجص، بعد أن كانت تقام بالقصب، وخوص النخل.. وأخذ الأمراء يبنون لأنفسهم قصوراً ذات حمى وأبهاء، لممارسة وظائف الحكم، والنظر في مصالح المسلمين فيها. وراح المهندسون يخططون لإقامة المدن، وتشييدها، والكوفة والبصرة أبرز مثالين لها، فقد نظموا الشوارع… كما وضعوا نظاماً لارتفاع الأبنية حسب مكان وجودها، كل ذلك بإذن، بل بتوجيه من أمير المؤمنين عمر».
روى ابن الحاج في (المدخل) نقلاً عن البوطي: «أن عمر بن الخطاب دخل السوق في خلافته، فلم ير في الغالب إلا النبط، فاغتم لذلك. فلما اجتمع الناس، أخبرهم بذلك، وعاتبهم في ترك السوق، والأعمال التجارية، فقالوا: إن الله أغنانا عن السوق، بما فتح به علينا، فقال رضي الله عنه: والله لئن فعلتم، ليحتاجن رجالكم إلى رجالهم، ونساؤكم إلى نسائهم».
قال البوطي: فلقد أحدث المسلمون الرحا الهوائية بالرياح، وكان ذلك في خلافة عثمان رضي الله عنه عام 29هـ. ومارسوا مهنة الصياغة، بل نبغ فيهم من أتقنها صنعاً، بعد أن كانت من الصنائع المحتقرة… كما انتشرت بينهم سائر الصناعات الأخرى، كالنجارة، والنقش، والزخرفة، وتصوير ما ليس فيه روح، وإنما شاع ذلك كله في أواخر عصر الصحابة فما بعد. روى البخاري عن سعيد بن أبي الحسن قال: «كنت عند ابن عباس رضي الله عنه، إذ أتاه رجل، فقال: يا ابن عباس، إني إنسان إنما معيشتي من صنع يدي، وإني أصنع التصاوير. فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعته يقول: «من صور صورة، فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها أبداً»! فربا الرجل ربوة شديدة، وأصفر وجهه. فقال (ابن عباس): ويحك، إن أبيت إلا أن تصنع، فعليك بهذا الشجر، وكل شيء ليس فيه روح».
أخرج الترمذي في (الشمائل المحمدية) عن سهل بن سعد، أنه قيل له: «أأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم النقي (الدقيق المنخول)؟ يعني الحوار، قال سهل: ما رأى رسول الله النقي حتى لقى الله عز وجل».
إذن، فقد أكل الصحابة النقي، عندما وجدوه شائعاً بين الأمم الجديدة، التي دخلها الإسلام، لأنه من عرف الناس.
كما كانت المدونات غير معروفة في صدر الإسلام الأول، ولم يكن بين أيديهم كتاب مجموع إلا القرآن الكريم، ولم يفكروا في كتابة شيء آخر. ولكن الحال تغيرت، فقد أرغمت الظروف الصحابة على الكتابة، والتدوين، حسب الحاجة، وكانت أول مدونة ظهرت على عهد الصحابة، هي ديوان العطاء في زمن عمر بن الخطاب. ثم اتسع المجال، ولجأ الناس إلى الكتابة في العلوم المختلفة. بل شجعوا على التدوين، وفي ذلك يروي ابن سعد في (الطبقات) عن معمر عن الزهري قال: «كنا نكره كتاب (أي كتابة) العلم، حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء، فرأينا ألا يمنعه أحد من المسلمين».
إذن، كان الصحابة والتابعون في أول الأمر، يحرمون الاشتغال بأمور الكلام، والمتشابه من الكتاب العزيز، ومسائل القدر، والجبر، والاختيار، فمنهجهم كان التسليم بما جاء في الشرع الحنيف، وعدم الخوض في ذلك! أما، وقد جدت ظروف، واختلفت أحوال، ودخلت فرق، وأفكار، ومذاهب جديدة عليهم، أثيرت هذه المسائل بين المسلمين، فكان لزاماً على الصحابة تغيير مواقفهم، والاستجابة إلى أسئلة السائلين، بالإجابة عنها، فاستعملوا المناهج العقلية، إلى جانب النقلية، وحللوا ما حرموه من قبل.
يقول البوطي: ألم يناظر علي كرم الله وجهه قدرياً في القدر، وأطال معه الخوض، والنقاش في ذلك؟ أو لم يسأله شيخ آخر بعد انصرافه من صفين عن الجبر والاختيار في حياة الإنسان، فشرح له بالأسلوب ذاته؟ أو لم يرسل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ليناظر أحد الخوارج في شبهاته، ومعتقداته الزائفة؟ أو لم يناظر عبد الهل بن مسعود يزيد بن عميرة في الإيمان، وما استحدث حوله من مشكلات؟».

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

شكراً ترامب لكسر الهيبة الامريكية/ د. عمران زهوي

د. عمران زهوي/ بيروت كاتب ومحلل سياسي لقد قام ترامب وفريقه السياسي وخاصة بولتون وكوشنير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *