الرئيسية / دراسات / توزع السلطات بحسب الدستور الإيراني

توزع السلطات بحسب الدستور الإيراني

بقلم: نسيب شمس

 

ظروف ولادة الدستور الايراني

 

فور الإطاحة بالشاه محمد رضا بهلوي بدأ الامام الخميني في وضع أسس نظام سياسي جديد. وفي هذا الإطار جاءت دعوته أوائل عام 1979 للاستفتاء على إلغاء النظام الملكي وإقامة الجمهورية الإسلامية. وفي الوقت الذي أيد معظم الإيرانيين الدستور الجديد جملة وتفصيلاً، كان للبعض رأي مختلف. فلقد تصور هؤلاء أنه كان من الأفضل لو أجري الاستفتاء على أي نوع من النظم السياسية يريده الشعب الإيراني بديلاً للملكية. وكان منطقهم في ذلك أنه لا يجوز التصويت بلا أو حتى بنعم على الجمهورية الإسلامية.

ومن المعارضين من اتجه الى المقاطعة (مثل حركة مجاهدي خلق والجبهة الوطنية وحزب الشعب) فيما فضَّل آخرون المشاركة في التصويت (وكان هذا منحى شريعتمداري وحزب توده الشيوعي وبعض الأقليات الدينية). وجاءت نتيجة الاستفتاء الذي نُظم يوم 30 و31 آذار / مارس 1979 تأييد 98.2 بالمئة من الإيرانيين إقامة جمهورية إسلامية بعد أن نجح الأمام الخميني في تجييش المشاعر الدينية في اتجاهها بعد أن رفع شعار ” كل صوت بلا هو صوت ضد الاسلام”[1]. وكانت الخطوة التالية هي التفكير في وضع دستور هذه الجمهورية، وورد اقتراح في هذا الخصوص بتشكيل مجلس يمثل مختلف القوى السياسية. إلا أن الاقتراح الذي أُخذ به هو إيلاء المهمة إلى مجلس منتخب من الخبراء (أي رجال الدين). وبالفعل أجريت الانتخابات لاختيار 75 عضواً للمجلس في 3 آب / أغسطس 1979. وترأس المجلس بعد تشكيله بهشتي بفضل علاقته المتينة بحزب الجمهوري الاسلامي. وتم وضع الدستور في صيغته النهائية وجرى إقرارها بعد الاستفتاء عليها في شهر كانون الأول / ديسمبر من العام نفسه.

 

دستور 1979:

 

يقع دستور عام 1979 في مائة وخمسة وسبعين مادة تتوزع علىاثني عشر فصلاً تتناول الموضوعات الآتية بالترتيب: مبادئ عامة، واللغة والكتابة والتاريخ والعلم الرسمي للبلاد، وحقوق الشعب، والاقتصاد والشؤون المالية، وسيادة الشعب والسلطات الناشئة عنها، والسلطة التشريعية، ومجالس الشورى، والقائد أو مجلس القيادة، والسلطة التنفيذية، والسياسة الخارجية، والسلطة القضائية، ووسائل الاعلام العامة. وأول ما يلفت الانتباه في هذا التبويب لموضوعات الدستور هو تفرده، بمعنى أنه يخالف الترتيب المتبع في الدساتير بشكل عام، والذي ينتقل في العادة من الديباجة، إلى الأحكام العامة، إلى تحديد وضع السلطات الثلاث: التنفيذية أولاً ثم التشريعية والقضائية على الترتيب، ثم المؤسسة العسكرية، فحقوق المواطنين وواجباتهم، وأخيراً مبادئ السياسة الخارجية للدولة.

تتضمن ديباجة الدستور في (79 ثم في تعديل 89)، كمثل معظم دساتير الثورات الكبرى، الإشارة إلى رمز الثورة وقائدها وكفاحه من أجل إسقاط النظام السابق. وشددت الديباجة على أن المحتوى الديني لكفاح الخميني كان له أكبر الأثر سواء في إحداث الثورة أو في أنجاحها، وقارنت ذلك بسوابق الحركات الوطنية الايرانية التي لم ترد هذا المورد العقدي، وبالتالي لم يقيض لها تحقيق أهدافها. تقول الديباجة: ” ومن هنا فإن الضمير اليقظ للشعب بقيادة المرجع الديني الكبير حضرة آية الله العظمى الإمام الخميني قد أدرك ضرورة التزام مسار النهضة العقائدية والإسلامية الأصيلة “. وتضيف الديباجة ” ومن هنا فإن المعارضة العارمة التي قام بها الإمام الخميني ضد هذه المؤامرة كانت عاملاً لحركة الشعب الشاملة. وتبعا لذلك انطلقت الثورة الدامية[2] العظمى للأمة الإسلامية في شهر خرداد عام 1342 هـ.ش (حزيران / يونيو 1963م) حيث كانت في الحقيقة نقطة انطلاق لهذه الحركة العظيمة الشاملة. ومن جرَّاء ذلك قويت واستحكمت القيادة الإسلامية للإمام الخميني. وعلى الرغم من إبعاد الإمام في 13 آبان 1343 هـ.ش خارج البلاد بعد اعتراضه على قانون الكابيتولاسيون المخزي (منح الحصانة للمستشارين الأميركيين) توطدت العلاقة الوثيقة بين الأمة والإمام”[3]. لكن حدود تأثير الخميني في دستور 1979 تتجاوز الاعتراف له بهذه المنزلة الروحية والسياسية الرفيعة إلى التعبير عن مجمل منظومته القيمية والتطور الذي لحقها والذي تجسد في تعديلات 1989. فعلى الرغم من أن الاستفتاء على التعديل قد وقع في 28 تموز/ يوليو 1989 أي بعد شهر ونصف تقريبا من وفاة الامام الخميني في 3 حزيران / يونيو من العام نفسه، إلا أن الخميني كان قد وافق على التعديل وحدد عناصره.

وبما أن الأوضاع استقرت في نهاية الثمانينيات مقارنةً ببدايتها، فلقد سمح هذا بأن تستهدف تعديلات عام 1989 تعزيز وضع رئيس الجمهورية نسبياً بإلغاء منصب رئيس الوزراء، وخصوصاً أن علاقة شاغلي المنصبين لم تكن إيجابية. ومن الأهداف الأخرى التي استهدفها التعديل تحديد شروط المرشد وصلاحياته استعداداً لمرحلة ما بعد الخميني.

كذلك كان أحد الأهداف المتوخاة من التعديل هو إيجاد آلية لتسوية الخلاف بين جناحي السلطة التشريعية، أي مجلس الشورى ومجلس صيانة الدستور، بعد أن تفاقمت خلافاتهما في السنوات الأخيرة من حكم خامنئي وأنذرت بتجميد قدرة النظام على التحرك في فترة كان بحاجة أكثر ما يكون فيها لأن ينشط بعد انتهاء حرب الخليج الأولى. وفي هذا المجال نص التعديل على دور لمجمع تشخيص مصلحة النظام الذي كان قد تشكل في 12 كانون الأول / ديسمبر 1988 بناءً على قرار من الامام الخميني.

وفي ما يتعلق بآلية تعديل دستور 1979، يشير محمد صادق الحسيني إلى أن الامام الخميني كان قد بعث برسالة إلى الرئيس خامنئي في عام 1988 يفيده فيها بأنه قام بتشكيل لجنة لتعديل الدستور تطويراً للإيجابيات التي كشفت عنها التجربة العملية للجمهورية الإسلامية وتصحيحاً للسلبيات التي عانتها[4]، كما قام البرلمان الايراني بإرسال رسالة موقع عليها من 170 من أعضائه يطالبون فيها بتعديل الدستور وذلك في نيسان / أبريل 1989 ، عند ذلك قام الخميني بتشكيل لجنة من عشرين شخصاً، من بينهم رئيس الجمهورية علي خامنئي ورئيس الوزراء مير حسين موسوي ورئيس مجلس الشورى علي أكبر هاشمي رفسنجاني، انضم إليها خمسة نواب من مجلس الشورى، وحضر أحمد الخميني كمراقب. أما رئيس اللجنة فكان آية الله علي مشكيني رئيس مجلس الخبراء[5]. وقد اعطى الإمام الخميني توجيهاته لرئيس اللجنة لتوخي الاصلاحات التالية: تدعيم السلطتين التنفيذية والتشريعية وسلطة مجمع تشخيص مصلحة النظام، وتحديد آلية تعديل الدستور. وأنهت اللجنة عملها في تموز / يوليو 1989، ووافق الشعب على التعديلات. وبلغت نسبة التأييد حسب المصادر الرسمية 97.3 بالمئة ممن أدلوا بأصواتهم.

 

الدستور المعدل 1989:

 

يقع الدستور المعدل في مائة وسبع وسبعين مادة تتوزع على أربعة عشر فصلاً، تمثل عناوين الفصول من الأول إلى الثاني عشر منها تكراراً لنظيراتها في دستور 1979، أما الفصل الثالث عشر فيخصص للمجلس الأعلى للأمن القومي وهو مؤسسة جديدة استحدثت في عام 1989. وأما الفصل الرابع عشر فخصص لإعادة النظر في الدستور بواسطة مجلس يحمل الاسم نفسه أي مجلس إعادة النظر في الدستور، وهو بدوره من المؤسسات الجديدة في الدستور. وبذلك فإن المواد المعدلة في دستور1989 تصبح هي التالية بحسب ترتيب الفصول الاربعة عشر: 70، و85، و88، و89، و99(الخاصة بالسلطة التشريعية) و5، و57، و107، و109، و110، و111، و112 (الخاصة بالمرشد)، و60، و122، و124، و126، 127، و130، و134، و135، و136، و138 (الخاصة بالسلطة التنفيذية)، و158، و160، و162، و164(الخاصة بالسلطة القضائية)، بخلاف مادتي 177 و178(الخاصتان بمجلس الأمن القومي وإعادة النظر في الدستور المستحدثين).

 

انتخابات رئاسة الجمهورية في إيران

 

ينتخب رئيس الجمهورية الإسلامية انتخاباً مباشراً من الشعب لمدة أربع سنوات، ولا يجوز انتخابه لأكثر من دورتين متتاليتين (مادة 114).

يحدد الدستور خمسة شروط في الرئيس الايراني هي: ” أن يكون إيراني الأصل ويحمل الجنسية الايرانية، قديراً في مجال الإدارة والتدبير، حَسَن السيرة، تتوافر فيه الأمانة والتقوى، مؤمناً معتقداً بمبادئ جمهورية إيران الاسلامية والمذهب الرسمي للبلاد”(مادة 115).

يتولى التثبت من توافر هذه الشروط في المرشحين مجلس صيانة الدستور (مادة 118)، وما أن يجيز المجلس المرشحون، أنتُخِبَ منهم الرئيس ” بالأكثرية المطلقة لأصوات الناخبين”. فإن لم تتهيأ لأحد منهم الأكثرية في الدورة الانتخابية الأولى، كانت هناك دورة ثانية في يوم الجمعة التالي بحيث يشترك فيها اثنان فقط من المرشحين الأكثر أصواتاً في الدورة السابقة. وإذا انسحب أحدهما حَلَّ محله من يليه (مادة 117)، أما إذا توفي أحد المرشحين في الفترة الفاصلة بين الدورتين يؤجل موعد انتخابات الدورة الثانية مدة اسبوعين (مادة 120)[6].

 

صلاحيات رئيس الجمهورية في إيران:

 

أما فيما يتعلق بصلاحيات رئيس الجمهورية فلقد تحددت دستورياً على النحو التالي:

أ‌-     “تنفيذ الدستور كما أنه يرأس السلطة التنفيذية إلا في المجالات التي ترتبط مباشرة بالقيادة” (مادة 113). وقد حذف من هذه المادة المعدلة تنظيمه العلاقة بين السلطات الثلاث.

ب‌-التوقيع “على مقررات مجلس الشورى الإسلامي، وعلى نتيجة الاستفتاء العام بعد مرورها بالمراحل القانونية وإبلاغها إياه، وعليه أن يسلمها للمسؤولين لتنفيذها” (مادة 123).

ت‌-تعيين معاونين له، و”يقوم المعاون الأول لرئيس الجمهورية – بموافقته -بمهمة إدارة جلسات مجلس الوزراء، والتنسيق بين سائر المعاونيات (مادة 124). وتختلف هذه المادة الواردة في النص المعدل تماماً عن نظيرتها في النص الأصلي الذي انصب على معالجة تعيين رئيس الجمهورية شخص رئيس الوزراء.

ث‌-التوقيع هو أو نائبه القانوني بعد مصادقة مجلس الشورى “على المعاهدات والعقود[7]. والاتفاقيات والمواثيق التي تبرم بين الحكومة الإيرانية وسائر الدول، وكذلك المعاهدات المتعلقة بالاتحادات الدولية”(مادة 125).

ج‌-  تولي ” مسؤولية أمور التخطيط والميزانية والأمور الإدارية والتوظيفية للبلاد بشكل مباشر ويمكن أن يوكل شخصاً آخر لإدارتها” (مادة 126). وكانت هذه المادة قبل التعديل تشير في عام 1979 إلى أن يَطَّلِع رئيس الجمهورية على القرارات واللوائح الحكومية بعد تصديق مجلس الوزراء و”إذا وجدها مخالفة للقوانين، عليه أن يردها إلى المجلس-مع ذكر الأدلة -لإعادة النظر فيها”.

ح‌-  ” تعيين ممثل خاص له-أو عدة ممثلين-وتحديد صلاحياتهم. وفي هذه الحالات، تعتبر القرارات التي يتخذها الممثل أو الممثلون بمثابة قرارات رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء” (مادة 127). ويلاحظ اختلاف هذه المادة تماماً عن مثيلتها الأصلية التي كانت تشير إلى حضور ” رئيس الجمهورية جلسة مجلس الوزراء التي يرى ضرورة انعقادها وتكون برئاسته” ويعود هذا الاختلاف الى اسناد رئاسة الوزراء إلى رئيس الجمهورية.

خ‌-  التصديق على تعيين السفراء بعد اقتراحهم من قبل وزير الخارجية، وقد أضيفت هذه الجملة إلى النص الأصلي للمادة 128.

د‌-    ” منح الأوسمة الحكومية” (مادة 129).

ذ‌-    تعيين الوزراء بعد موافقة مجلس الشورى على منحهم الثقة، ومع عدم طلب الثقة من جديد عند تغيير مجلس الشورى الإسلامي. (مادة 133).

ر‌-   إسناد ” رئاسة الوزراء إلى رئيس الجمهورية الذي يشرف على عمل الوزراء”، والتنسيق بين قرارات الوزراء ومجلس الوزراء، وتعيين “السياسة العامة لعمل الدولة ونهجها” بالتعاون مع الوزراء، كما يقوم بتنفيذ القوانين (مادة 134). وقد حَلَّ رئيس الجمهورية في هذه المادة محل رئيس الوزراء في الإشراف والتنسيق والتنفيذ.

ز‌-   تلقي “استقالة مجلس الوزراء أو أي منهم”، علماً بأن عزل الوزراء أو حجب الثقة عنهم بعد استيضاحهم أو طلب سحب الثقة يتم بواسطة المجلس ويجوز لرئيس الجمهورية تعيين ” مشرفين للوزارات التي لا وزير لها لمدة أقصاها ثلاثة أشهر” (مادة 135). وهذا النص هو المعدل في عام 1989، حيث انصبَّ نص عام 1979 على تنظيم وضع رئيس الوزراء.

س‌-                       عزل الوزراء ” وفي هذه الحالة يطلب إلى المجلس منح الثقة للوزير الجديد أو الوزراء الجدد، وفي حالة تغيير نصف أعضاء مجلس الوزراء – بعد منحهم الثقة من المجلس – فإن على رئيس الجمهورية أن يطلب إلى المجلس منح الثقة لمجلس الوزراء من جديد” (مادة 136). في هذه المادة كان النص الأصلي في عام 1979 يعطي حق عزل أحد الوزراء، وتعيين آخر لرئيس الوزراء بعد موافقة رئيس الجمهورية.

 

الى جانب هذه الصلاحيات الموزعة على مواد متفرقة من الفصل التاسع للدستور، فإن ثمة صلاحيات في الفصل السادسالمخصص لمجلس الشورى الاسلامي. وتلك هي صلاحية اقتراح توقيف انتخابات المجلس لمدة محددة بعد تصديق ثلاثة أرباع النواب وتأييد مجلس صيانة الدستور ” في زمن الحرب والاحتلال العسكري”(مادة 68). وصلاحية حضوره هو و”معاونيه” (في النص المعدل بدلاً من هو و “رئيس الوزراء” في النص الأصلي) والوزراء ومستشاريهم الجلسات العلنية للمجلس، وقد تم إلغاء الجملة الخاصة بحاجة رئيس الجمهورية للحصول على موافقة اكثرية المجلس، بعد أن صار هو رئيسه الفعلي والدستوري (مادة 70). وتنص (المادة 175) في الفصل الثاني عشر المخصص للإذاعة والتلفزيون على اشتراك رئيس الجمهورية في عضوية المجلس الذي يتشكل في حالة إقالة رئيس مؤسسة الاذاعة والتلفزيون. بينما يلاحظ أن نص هذه المادة في دستور 1979 كان قد أشار إشارة عامة إلى إدارة وسائل الاعلام حيث تضمَّن ما يلي: ” تدار هذه الوسائل تحت إشراف السلطات الثلاث: القضائية (المجلس الأعلى للقضاء) والتشريعية والتنفيذية”. كما تنص المادة (المادة 176) في الفصل الثالث عشر المخصص للمجلس الأعلى للأمن القومي على أن يترأس رئيس الجمهورية هذا المجلس وما يتفرع عنه من مجالس فرعية، كمجلس الدفاع الفرعي، ومجلس الأمن القومي الفرعي، وإن نُصَّ على أن قرارات المجلس لا تسري إلا بعد موافقة المرشد.

وبمقتضى الدستور المعدل، فإن رئيس الجمهورية أصبح مسؤولاً عن ممارسة سلطاته الدستورية امام كل من الشعب والمرشد ومجلس الشورى (مادة 122)، بعد أن كان مسؤولاً أمام الشعب وحده، وترتب على هذا التعدد في جهات مساءلة رئيس الجمهورية ثلاثة تعديلات دستورية عام 1989. وَرَد اثنان من هذه التعديلات في الفصل السادس، ونصَّا على حق ربع عدد أعضاء مجلس الشورى في أن يُوَجِّهوا سؤالا إلى رئيس الجمهورية الذي يلتزم بالحضور إلى المجلس ” للإجابة عن السؤال الموجه إليه” وبحيث لا تتأخر إجابته عن شهر واحد إلا لعذر يرى المجلس قبوله (مادة 88). فإذا ” صوتت أكثرية الثلثين من النواب على عدم كفاءة رئيس الجمهورية ، فإن ذلك يُرفَع وفق الفقرة العاشرة من المادة 110 إلى مقام القيادة لإطلاعها عليه (مادة 89)، مما يعني ، أنه أصبح من حق المجلس أن يقرر صلاحية رئيس الجمهورية أو عدم صلاحيته لإدارة الأمور التنفيذية للدولة، في الوقت الذي لم يكن المجلس في دستور 1979 يملك أكثر من مجرد استدعاء الوزراء ومساءلتهم في مدى عشرة أيام، ثم سحب الثقة أو حجبها عنهم، علماً بأن حجب الثقة من وزير أو أكثر يؤدي إلى عزله من الحكومة ولا يسمح له بالمشاركة في الحكومة التالية مباشرة. لكن هذا التعديل الذي تم لصالح السلطة التشريعية لم يكن على حساب صلاحيات القائد أو رأس النظام، كما أن قرار المجلس بسحب الثقة من رئيس الجمهورية يودع لدى القائد لينظر ماذا يرى. كما أن المادة 130 نصت على ” أن يقدم رئيس الجمهورية استقالته إلى القائد ويستمر في القيام بوظائفه، إلى أن تتم الموافقة على استقالته”. وهذا هو التعديل الثالث المشار إليه، أخذاً في الاعتبار أن المادة نفسها في دستور 1979 لم تتطرق لكتاب الاستقالة وانصبت على مرحلة ما بعد شغور منصب الرئيس.

 

ومما له علاقة كذلك برئاسة الجمهورية وتنظيمها، نصت المادة 140 من الدستور المعدل على أن تتولى المحاكم العامة التحقيق في التهم الموجهة إلى رئيس الجمهورية ومعاونيه والوزراء في الجرائم العادية، وهي المادة ذاتها في الدستور الأصلي وإن اشتملت هذه الأخيرة على الإشارة لجرائم رئيس الوزراء من دون المعاونين. وتحظر المادة 141 من الدستور المعدل على رئيس الجمهورية ومعاونيه والوزراء وموظفي الحكومة الجمع بين أكثر من عمل حكومي واحد، أو العمل في المؤسسات التي يكون رأسمالها حكومياً بشكل كلي أو جزئي، أو ممارسة النيابة، أو المحاماة، أو الاستشارة القانونية. أما آخر مواد هذا الفصل 142 فتنص على أن يتولى رئيس السلطة القضائية التحقيق في أموال القائد والرئيس والمعاونين والوزراء وزوجاتهم وأولادهم قبل تحمل المسؤولية وبعده، ضماناً لعدم زيادتها من طريق غير مشروع. ويلاحظ أن المادتين 141 و142 تسري عليهما الملاحظة نفسها المشار إليها بخصوص المادة 140 من حذف لرئيس الوزراء وإحلال المعاونين محله.

 

رؤساء الجمهورية في إيران:

وفي ما يتعلق بتسلسل رؤساء الجمهورية الإيرانية، فلقد تولى سدة الرئاسة على مدار 25 عاماّ خمسة رؤساء، وهذا يؤكد حيوية النظام السياسي الإيراني، وإن لم يُعَبَّر عن هذه الحيوية في كل الأحيان بشكل سلمي ( كما في اغتيال ثاني رؤساء الجمهورية).

 

حكم إيران بعد الثورة ولفترات متفاوتة كلٌ من:

–       أبو الحسن بني صدر.

–       محمد رجائي.

–       علي خامنئي.

–       علي أكبر هاشمي رفنسجاني.

–       محمد خاتمي.

–       أحمدي نجاد.

–       حسن روحاني.

 

كما حُكمت إيران بواسطة حكومة انتقالية ترأسها مهدي بازركان في 8 شباط/ فبراير 1979، وبواسطة المجلس الثوري ثم المجلس المؤقت للرئاسة في فترات شغور المقعد الرئاسي. فلقد تولى المجلس الثوري هذه المسؤولية بعد استقالة مهدي بازركان في 6 تشرين الثاني / نوفمبر 1979، وبواسطة المجلس المؤقت بعد استقالة بني صد في 10 حزيران / يونيو 1981 وفراره إلى خارج البلاد، وتكرر حكمه بعد اغتيال محمد رجائي رئيس الجمهورية ومحمد جواد باهونار رئيس الوزراء في انفجار نفذته جماعة مجاهدي خلق في 30 آب / أغسطس 1981. وعلى حين لم ينهي بني صدر ورجائي دورتهما الرئاسية الأولى، بل كانت فترة حكم رجائي هي الأقصر في تاريخ الجمهورية الإسلامية، وأعيد انتخاب خامنئي ورفسنجاني وخاتمي لدورة ثانية.

 

نواب رئيس الجمهورية:

 

من التطورات الملفتة التي أُدخلت على تشكيل السلطة التنفيذية بعد التعديلات الدستورية في عام 1989، التوسع في حق رئيس الجمهورية في تعيين معاونين ونواب له، مع اختصاص النائب الاول بوضع مميز. ويفهم من خلال هذا التوسع ارتباطه بإلغاء منصب رئيس الوزراء، والحاجة بالتالي إلى التخفيف من المسؤوليات التنفيذية الكثيرة الملقاة على عاتق رئيس الجمهورية. وفي هذا المجال، وبعد أن نص دستور 1979 في مادة واحدة هي المادة 125، على دور محدود للنائب القانوني لرئيس الجمهورية يتمثل في النيابة عنه في التوقيع على المعاهدات والاتفاقيات الدولية، اتسعت مهام النواب على ما سبق ذكره في المواد الخاصة باختصاصات رئيس الجمهورية وصلاحياته. أما أبرز هذه المهام فهي التي أوكلت إلى النائب الأول الذي أصبح هو المخول بأداء وظائف رئيس الجمهورية والتمتع بصلاحياته في حالات وفاة الرئيس أو عزله أو استقالته أو “غيابه” أو مرضه لأكثر من شهرين، وذلك بعد موافقة القيادة. فإذا توفي المعاون الأول أو النائب الأول، أو ظهرت” أمور أخرى تحول دون قيامه بواجباته، وكذلك إذا لم يكن لرئيس الجمهورية معاون أول، تعين القيادة شخصاً آخر مكانه”. وفي كل الأحوال، تتشكل على التوازي هيئة ثلاثية من رئيس مجلس الشورى، ورئيس السلطة القضائية، والمعاون الأول لرئيس الجمهورية، حتى ” تعد الأمور ليتم انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلال فترة خمسين يوماً على الأكثر” (مادة 131). وتهدف المادة التالية إلى تحديد بعض الضوابط الخاصة بوضع المعاون الأول أثناء رئاسته المؤقتة، فتنص على أنه يمتنع عليه خلال تلك الفترة ” استيضاح الوزراء أو حجب الثقة عنهم، ولا يمكن القيام بإعادة النظر في الدستور أو إصدار الأمر بإجراء الاستفتاء العام في البلاد” (مادة 132). وكانت هاتان المادتان نفسهما في دستور 1979 تنصان على تشكيل مجلس مؤقت للرئاسة في حالة شغور منصب الرئيس، علماً بأن هذا المجلس كان يتأسس من رئيس الوزراء، ورئيس مجلس الشورى، ورئيس المحكمة العليا.

 

وثمة ملاحظات ثلاث أساسية على توسيع الحق الدستوري لرئيس الجمهورية في تعيين نواب له: إحداها أن هذا التوسيع أتاح للرئيس فرصة أكبر لتعيين بعض الشخصيات التي يرى الاعتماد عليها، ولا يطمئن لموافقة مجلس الشورى عليها لو كانت تحتاج موافقته، وذلك أن نواب الرئيس ومستشاريه يتمتعون بدرجة وزير، لكن اختيارهم لا يحتاج إلى تصويت البرلمان بالثقة عليهم. والملاحظة الثانية أن تعدد نواب الرئيس ومستشاريه يسمح له بالتعبير بشكل أفضل عن مختلف أبعاد برنامجه السياسي.

 

الملاحظة الأخيرة أن الدور المناط بالنائب الأول لرئيس الجمهورية، سواء في ظل وجود الرئيس أو بشكل أكبر بعد شغور منصبه، يزيد فرصه في الترشح لخلافة الرئيس وإن كان لا يضمن له ذلك بالضرورة. أولاً لأن الرئيس القادم ليس في كل الأحوال نائب الرئيس الأسبق كما نلاحظ في الولايات المتحدة أو غيرها من الديمقراطيات الغربية. وثانياً لأن مسألة الترشح للرئاسة محكومة في المجال الايراني بالحسابات الدقيقة لمجلس صيانة الدستور.

 

الهوامش

[1]  Menashri, Iran : A Decate of War and Revolution , p. 129

[2] هكذا وردت لاختلاف الترجمة من الفارسية الى العربية.

[3] دستور جمهورية ايران الاسلامية (طهران: وزارة الارشاد الاسلامي بمساعدة اللجنة التحضيرية للمؤتمر العالمي لأئمة الجمعة والجماعة / 1403 هـ ) ص 5-6 ، ودستور الجمهورية الاسلامية في ايران، تم التصديق عليه أول مرة عام 1979م. وتم التصديق عليه بعد التعديل عام 1989 م . (بيروت : المستشارية الثقافية للجمهورية الاسلامية  الايرانية ، {د.ت}، ص 7.

[4]  محمد صادق الحسيني، “صنع القرار في إيران وتركيبة النظام الإسلامي”، شؤون الأوسط، العدد 54 (آب/ أغسطس 1996)، ص 15.

[5] Furtig,”Iran : The Second Islamic ?” p. 29

[6] أنظر نص المدتين 117 و120 في: دستور جمهورية إيران الاسلامية، ص 82-83، ودستور الجمهورية الاسلامية في إيران (المعدّل) ص 67-68.

[7] في النص العربي لدستور عام 1979 وردت كلمة “المقاولات”، بينما ترجمت في تعديل عام 1989 إلى “العقود” وهذا تعريب أدق.

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

نسخ الكتب لدى بني منقذ أمراء شيزر(474-552هـ/1081-1157م)

بقلم: د. حجازي عبد المنعم سليمان – جامعة المنوفية – مصر — على الرغم من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *